الشنقيطي

67

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ل يودّ ، والمعنى : يود أحدهم ، أي : يتمنى تعمير ألف سنة ، ولو قد تكون حرفا مصدريا لقول قتيلة بنت الحارث : ما كان ضرّك لو مننت وربما * منّ الفتى وهو المغيظ المحنق أي : ما كان ضرّك منك . وقال بعض العلماء : إن لو هنا هي الشرطية والجواب محذوف وتقديره : لو يعمر ألف سنة ، لكان أحب شيء إليه ، وحذف جواب لو مع دلالة المقام عليه واقع في القرآن وفي كلام العرب ، فمنه في القرآن قوله تعالى : كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ( 5 ) [ التكاثر : 5 ] أي : لو تعلمون علم اليقين لما ألهاكم التكاثر ، وقوله : وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ [ الرعد : 31 ] أي : لكان هذا القرآن أو لكفرتم بالرحمن . ومنه في كلام العرب قول الشاعر : فأقسم لو شيء أتانا رسوله * سواك ولكن لم نجد لك مدفعا أي لو شيء أتانا رسوله سواك لدفعناه . إذا عرفت معنى الآية فاعلم أن اللّه قد أوضح هذا المعنى مبينا أن الإنسان لو متع ما متع من السنين ثم انقضى ذلك المتاع وجاءه العذاب ، أن ذلك المتاع الفائت لا ينفعه ، ولا يغني عنه شيئا بعد انقضائه وحلول العذاب محله . وذلك في قوله : أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ( 205 ) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ ( 206 ) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ ( 207 ) [ الشعراء : 205 - 207 ] ، وهذه هي أعظم آية في إزالة الداء العضال الذي هو طول الأمل . كفانا اللّه والمؤمنين شره . قوله تعالى : قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ [ 97 ] الآية . ظاهر هذه الآية أن جبريل ألقى القرآن في قلب النبي صلّى اللّه عليه وسلم من غير سماع قراءة ، ونظيرها في ذلك قوله تعالى : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ [ الشعراء : 193 - 194 ] الآية . ولكنه بين في مواضع أخر أن معنى ذلك أن الملك يقرؤه عليه حتى يسمعه منه ، فتصل معانيه إلى قلبه بعد سماعه ، وذلك هو معنى تنزيله على قلبه ، وذلك كما في قوله تعالى : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16 ) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ( 17 ) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( 18 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ( 19 ) [ القيامة : 16 - 19 ] ، وقوله : وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ( 114 ) [ طه : 114 ] . قوله تعالى : أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ [ 100 ] . ذكر في هذه الآية أن اليهود كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم ، وصرح في موضع آخر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هو المعاهد لهم وأنهم ينقضون عهدهم في كل مرة ، وذلك في قوله :